عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

102

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الفصل الثالث في تفاوت الخلافة ودرجاتها قال اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الأنعام : 165 ] اعلم أن اللّه تعالى أثبت الخلافة لعموم بني آدم بقوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [ الأنعام : 165 ] ثم جعلها على التفاوت فيما بينهم وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الأنعام : 165 ] في الخلافة وذلك لأن حقيقة الخلافة هي التصرف في الملك والملكوت بنيابة الحق تعالى ، ولما كان للّه ملك وهو ظاهر الكون من الدنيا وما فيها وهو متصرف فيها وله ملكوت وهو باطن الكون من الآخرة وما فيها ، وهو متصرف فيها وجب ، أن يكون للخليفة آلات من الملكيات والملكوتيات ليتصرف بها في الملك والملكوت بالخلافة ، كما يتصرف مستخلفه فيها بلا آلات بل بقدرة كاملة وإرادة شاملة وقد منحه اللّه تعالى هذه الآلات تامة كاملة ، وأما الآلات الملكيات ، فهي الأعضاء والجوارح والحواس الخمس وما يتعلق بالجسد ، وأما الآلات الملكوتيات ، فهي القلب والعقل والسر والروح والخفي والقوى البشرية وما يتعلق بالروح . ثم اعلم أن طبقات الخلفاء ثلاث طبقات [ صنف ] منهم يستعملون الآلات الجسدانية فحسب وهم على صنفين : الصنف الأول : يستعملون بالخلافة على وفق أوامر مستخلفهم ونواهيه في الخالقية وبالنكاح ، وفي الرازقية بالزراعة والاتفاق ، وفي الصانعية بالصنائع والحرف وغير ذلك ، فهؤلاء الذين سعيهم مشكور ولهم في حركاتهم أجور . الصنف الثاني : يستعملون آلاتهم على وفق الطبع وهوى النفس خلافا لأوامر مستخلفهم ونواهيه فهؤلاء ما لهم من الخلافة إلا الخسارة ، وأولئك كالأنعام بل هم أضل . والطبقة الثانية : يستعملون الآلات الجسدانية وبعض الآلات الروحانية ، وهم أيضا على صنفين : الصنف الأول : يستعملون الآلات على وفق أوامر مستخلفهم ونواهيه وهم خواص المؤمنين ، فيستعملون العقل ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ، ويرون آيات اللّه في الآفاق وفي أنفسهم ويتبين لهم الحق ، ويزداد إيمانهم ومعرفتهم ودرجاتهم وقربهم ، ومنهم من يستعمل القلب بعد التصفية وتزكية النفس فيتحلى من